فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه ، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة ، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه . الأول : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول ، أما القرآن فآيات ، أحدها : قوله تعالى : * ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) * ( الجن : 18 ) . أضاف المساجد إلى ذاته يلزم الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : * ( فلا تدعوا مع الله أحدا ) * . وثانيها : قوله تعالى : * ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) * ( التوبة : 18 ) فجعل عمارة المسجد دليلاً على الإيمان ، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم ، لأن كلمة إنما للحصر . وثالثها : قوله تعالى : * ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) * ( النور : 36 ) . ورابعها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى : * ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) * فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من المشرك لأن قوله : * ( ومن أظلم ) * يتناول المشرك لأنه تعالى قال : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان . وأما الأخبار ، فأحدها : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة " . وفي رواية أخرى : " بنى الله له بيتاً في الجنة " . وثانيها : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : " أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " ، واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى ، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك ، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله ، والأعراض عن التفكر في سبيل الله ، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع . الثاني : في فضل المشي إلى المساجد ( أ ) عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته " ، رواه مسلم . ( ب ) أبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : " من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح " أخرجاه في الصحيح . ( ج ) أبي بن كعب قال : كان رجل